سورة الفرقان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدّره تقديرًا.

واتخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئًا وهم يُخْلَقُون ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. وقال الذين كفروا: "إن هذا إلا إفكٌ افتراه وأعانه عليه قوم آخرون"، فقد جاءوا ظلمًا وزورًا، وقالوا: "أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملَى عليه بُكرةً وأصيلًا". قُل أَنزَلَهُ الذي يعلم السِّرَّ في السموات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا، وقالوا: "مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أُنزل إليه مَلَكٌ فيكون معه نذيرًا، أو يُلقى إليه كنزٌ أو تكون له جنةٌ يأكل منها". وقال الظالمون: "إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا". انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا. تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورًا.

بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرًا. إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها غيظًا وزفيرًا، وإذا ألقوا منها مكانًا ضيِّقًا مقرَّنين دَعَوْا هنالك ثبورًا، "لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا". قل: "أذلك خيرٌ أم جنة الخلد التي وُعِد المتقون كانت لهم جزاءً ومصيرًا. لهم فيها ما يشاؤون خالدين. كان على ربك وعدًا مسئولًا".

ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: "أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟" قالوا: "سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكِنْ متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قومًا بورًا". فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفًا ولا نصرًا ومن يظلم منكم نُذقه عذابًا كبيرًا. وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرًا.

وقال الذين لا يرجون لقاءنا: "لولا أنزِلَ علينا الملائكة أو نرى ربَّنا"، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًّا كبيرًا. يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون: "حجرًا محجورًا". وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا. أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مَقِيلًا.

ويوم تشقّق السماء بالغمام ونُزِّل الملائكة تنزيلاً، الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يومًا على الكافرين عسيرًا. ويوم يعض الظالم على يديه يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا، يا ويلَتَى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا". وقال الرسول: "يا ربِّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا". وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.

وقال الذين كفروا: "لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة". كذلك لنثبت به فؤادك ورتّلناه ترتيلًا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا. الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانًا وأضل سبيلًا. ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرًا، فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمّرناهم تدميرًا. وقوم نوح لما كذّبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابًا أليمًا.

وعادًا وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا. وكُلًّا ضربنا له الأمثال وكُلًّا تَبَرْنَا تَتْبِيرًا. ولقد أَتَوْا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نُشُورًا.

وإذا رأوك اتخذوك إلا هُزُوًا أهذا الذي بعث الله رسولًا. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب مَن أضل سبيلًا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا.

ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكنًا ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا، ثم قبضناه إلينا قَبْضًا يسيرًا. وهو الذي جعل لكم الليل لباسًا والنوم سُباتًا وجعل النهار نُشُورًا. وهو الذي أرسل الرياح بُشْرًا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا، لنحيي به بلدةً مَيْتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا. ولقد صرّفناه بينهم ليذّكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا.

ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا. فلا تُطِع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أُجاج وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا. وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا.

ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرًا. وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا. قل: "ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا". وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبّح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا. الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرًا.

وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: "وما الرحمن؟ أنَسْجُدُ لما تأمرنا" وزادهم نفورًا. تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا. وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شُكورًا.

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: "سلامًا". والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا. والذين يقولون: "ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا، إنها ساءت مستقرًا ومقامًا". والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا.

والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا. يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا، إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا. ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا.

والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا. والذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صُمًّا وعميانًا. والذين يقولون: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا". أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحيةً وسلامًا، خالدين فيها حَسُنَتْ مستقرًا ومقامًا.

قل: "ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزامًا".